الحلبي

183

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

أبدا ، بل المراد أنه شاهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم : أي لشهوده بعض مشاهدهم التي تكون عند الأصنام . وقال غيره : والمراد بالمشاهد التي شهدها : أي التي كان يشهدها مشاهد الحلف ونحوها كالضيافات الآتي بيانها لا مشاهدة استلام الأصنام ، فإنه يرده ما تقدم عن أم أيمن انتهى : أي من قولها إن بوانة كان صنما لقريش تعظمه وتعتكف عليه يوما إلى الليل في كل سنة إلى آخره : أي ويرده أيضا ما تقدم من قوله صلى اللّه عليه وسلم لبحيرا لما حلفه باللات والعزى : لا تسألني بهما ؟ فإني واللّه ما أبغضت شيئا قط بغضهما ، لأن مثل اللات والعزى غيرهما من الأصنام في ذلك ، وما سيأتي من قوله صلى اللّه عليه وسلم لخديجة رضي اللّه تعالى عنها : « واللّه ما أبغضت بغض هذه الأصنام شيئا قط » وما جاء أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لما نشأت بغضت إليّ الأوثان ، وبغض إليّ الشعر » واللّه سبحانه وتعالى أعلم . باب : رعيته صلى اللّه عليه وسلم الغنم قال : رعيته بكسر الراء ، المراد الهيئة انتهى . أقول : المبين في هذا الباب إنما هو فعله صلى اللّه عليه وسلم الذي هو رعيه للغنم ، لا بيان هيئة رعيه للغنم ، فرعيته بفتح الراء لا بكسرها ، واللّه أعلم . عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما بعث اللّه نبيا إلا رعى الغنم ، قال له أصحابه : وأنت يا رسول اللّه ؟ قال : وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط » أي وهي أجزاء من الدراهم والدنانير يشترى بها الحوائج الحقيرة . قال سويد بن سعيد : بعني كل شاة بقيراط ، وقيل القراريط موضع بمكة . فقد قال إبراهيم الحربي : قراريط موضع ، ولم يرد بذلك القراريط من الفضة أي والذهب ، قال : وأيد هذا الثاني بأن العرب لم تكن تعرف القراريط التي هي قطع الذهب والفضة بدليل أنه جاء في الصحيح « ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط » ولأنه جاء في بعض الروايات « لأهلي » ولا يرعى لأهله بأجرة : أي كما قضت بذلك العادة . وأيضا جاء في بعض الروايات بدل بالقراريط « بأجياد » فدل ذلك على أن القراريط اسم محل ، عبر عنه تارة بالقراريط وتارة بأجياد . وردّ بأن أهل مكة لا يعرفون بها محلا يقال له القراريط ، وحينئذ يكون أراد بأهله أهل مكة لا أقاربه التي تقضي العادة بأنه لا يرعى لهم بالأجرة ، والإضافة تأتي لأدنى ملابسة ، ويدل لذلك ما جاء في رواية البخاري « كنت أرعاها » أي الغنم « على قراريط لأهل مكة » وذكره البخاري كذلك في باب الإجارة ، وذلك يبعد أن المراد بالقراريط المحل ، وجعل على بمعنى الباء .